|

مقالات

فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف يكتب: المواطنة الكاملة.. والاندماج الإيجابى

إن مصطلح الأقلياتِ المسلمة وافد على ثقافتنا الإسلامية، وقد تحاشاه الأزهر فى خطاباته، وفيما صدر عنه من وثائق وبيانات؛ لأنه مصطلح يحمل فى طياته بذور الإحساس بالعزلة والدونية، ويمهد الأرض لبذور الفتن والانشقاق، بل يصادر هذا المصطلح ابتداء على أية أقلية كثيرًا من استحقاقاتها الدينية والمدنية، وفيما أعلم فإن ثقافتنا الإسلامية لا تعرف هذا المصطلح، بل تنكره وترفضه، وتعرف بدلًا منه معنى المواطنةِ الكاملةِ كما هو مقرَّر فى وثيقة المدينة المنورة.

 إن المواطنةَفى الإسلام - حقوق وواجبات ينعم في ظلالها الجميع، وفق أُسس ومعاييرَ تُحقِّق العدل والمساواة: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، فالمواطن المسلم في بريطانيا - مثلًا - هو مواطن بريطانى مواطنة كاملة في الحقوق والواجبات، وكذلك المسيحىُّ المصري هو مواطن مصرى مواطنة كاملة فى الحقوق والواجبات، ولا محل مع هذه المواطنة الكاملة لأن يوصف أى منهما بالأقلية الموحية بالتمييز والاختلاف في معنى المواطنة.

وفى اعتقادي أن ترسيخ فقه المواطنة بين المسلمين فى أوروبا، وغيرها من المجتمعات المُتعَدِّدة الهويات والثقافات - خطوةٌ ضرورية على طريق «الاندماج الإيجابى» الذى دعونا إليه فى أكثرَ من عاصمة غربية، فهو الذى يحفظ سلامة الوطن وتماسكه، ويرسِّخ تأصيل الانتماء الذى هو أساس الوحدة فى المجتمع، كما يَدْعم قبول التنوع الثقافى والتعايشِ السِّلْمى، ويقضى على مشاعر الاغتراب التى تؤدِّى إلى تشتُّت الولاء الوطنى، وتذبذب المغترب بين وطن يعيش على أرضه ويقتات من خيراته، وولاء آخر غريب يتوهمه ويحتمى به فرارًا من شعوره بأنه فرد فى أقلية مُهَدَّدة.

 ولا مفر لنا فى ظل أنظمة الحكم المعاصرة من أن نعمل على ترسيخ فقهُ المواطنة فى عقول المسلمين وثقافاتهم، فهو السد المنيع أمام الذرائع الاستعمارية التى دأبت على توظيف الأقليات فى الصراعات السياسية وأطماع الهيمنة والتوسُّع، وجعلت من مسألة «الأقليَّات» رأس حربة فى التجزئة والتفتيت اللتين يعتمد عليهما الاستعمار الجديد.

إن المفهوم الحقيقى للمواطنة لا يتوقف عند اختلاف دين أو اختلاف مذهب، فالكل متساوون في الحقوق والواجبات، والجميع سواسية أمام القانون فى الدولة، وعلى الجميع أن يدافعوا عن هذا الوطن ويتحملوا المسؤولية الكاملة.

image